الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
16
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشّمول ، فالسّامع يعلم أنّ المراد من القرية أهلها لأنّ العبرة والموعظة إنّما هي بما حصل لأهل القرية ، ونظيرها قوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [ يوسف : 82 ] ونظيرهما معا قوله : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ [ الأنبياء : 6 ] ، فكلّ هذا من الإيجاز البديع ، والمعنى على تقدير المضاف ، وهو تقدير معنى . وأجرى الضّميران في قوله : أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا على الإفراد والتّأنيث مراعاة للفظ قرية ، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ولفظ ضميره في كلام متّصل القرب ، ثمّ أجريت ضمائر القرية على صيغة الجمع في الجملة المفرعة عن الأولى في قوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ إلخ لحصول الفصل بين الضّمير ولفظ معاده بجملة فيها ضمير معاده غير لفظ القرية ، وهو بَأْسُنا بَياتاً لأنّ ( بياتا ) متحمّل لضمير البأس ، أي مبيّتا لهم ، وانتقل منه إلى ضمير القرية باعتبار أهلها فقال : أَوْ هُمْ قائِلُونَ فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ . و ( كم ) اسم حال على عدد كثير وهو هنا خبر عن الكثرة وتقدّم في أوّل سورة الأنعام . والإهلاك : الإفناء والاستئصال . وفعل أَهْلَكْناها يجوز أن يكون مستعملا في معنى الإرادة بحصول مدلوله ويجوز أن يكون مستعملا في ظاهر معناه . والفاء في قوله : فَجاءَها بَأْسُنا عاطفة جملة : فَجاءَها بَأْسُنا على جملة : أَهْلَكْناها ، وأصل العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول المعطوف عليه ، ولما كان مجيء البأس حاصلا مع حصول الإهلاك أو قبله ، إذ هو سبب الإهلاك ، عسر على جمع من المسفّرين معنى موقع الفاء هنا ، حتّى قال الفرّاء إنّ الفاء لا تفيد التّرتيب مطلقا ، وعنه أيضا إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدّمت أيّهما شئت مثل شتمني فأساء وأساء فشتمني . وعن بعضهم أنّ الكلام جرى على طريقة القلب ، والأصل : جاءها بأسنا فأهلكناها ، وهو قلب خلي عن النّكتة فهو مردود ، والذي فسّر به الجمهور : أنّ فعل ( أهلكناها ) مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] وقوله : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية أي فإذا أردت القراءة ، وإذا أردتم القيام إلى الصّلاة ، واستعمال الفعل في معنى إرادة وقوع معناه من المجاز المرسل عند السكاكي قال : ومن أمثلة المجاز قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ النحل : 98 ] استعمل قَرَأْتَ مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة عن إرادتها استعمالا مجازيا بقرينة الفاء في فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، وقوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ